الشيخ محمد رشيد رضا
250
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ فبين لنا سنة حكيمة من سننه في الاجتماع البشرى ؛ وهي أن الانسان يبلغ الخير بعمله الحسن ؛ ويقع في الضير بتقصيره في العمل الصالح وتشميره في عمل السيئات ، والعبرة بالخواتيم ، فكأنه قال : إن هذا الاملاء للكافرين ليس عناية من اللّه بهم وإنما هو جرى على سنته في الخلق ، وهي أن يكون ما يصيب الانسان من خير وشر هو ثمرة عمله . ومن مقتضى هذه السنة العادلة أن يكون الاملاء للكافر علة لغروره ، وسببا لاسترساله في فجوره ، فيوقعه ذلك في الاثم الذي يترتب عليه العذاب المهين هذا ما عندي عن الأستاذ الامام في معنى الآية متصلا بما قبله . وقرأ حمزة « تحسبن » بالتاء على أن الخطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم أو لكل من يحسب ، وفتح سين بحسب في جميع القرآن هو وابن عامر وعاصم وكسرها الباقون . والاملاء الامهال والتخلية بين العامل وعمله ليبلغ مداه فيه من قولهم : أملى لفرسه . إذا أرخى له الطول ليرعى كيف شاء أي : لا تحسبن يا محمد هؤلاء الذين كفروا إملاءنا لهم خير لأنفسهم . فقوله « أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ » بدل من المفعول . أو لا يحسبن هؤلاء الذين كفروا أن إملاءنا لهم خير لأنفسهم ، فان الخير ليس في الامهال وإرخاء العنان للانسان ليعمل بحسب استعداده ما يشاء ، فان هذه سنة اللّه في جميع البشر يعملون باختيارهم ما يشاءون في دائرة الامكان ، وإنما يكون الخير للانسان في الاملاء وطول الأجل ، مع التمكن من العمل ، إذا كان يزداد فيه عملا صالحا ينتفع به في نفسه بارتقائها في الأخلاق العالية ؛ والصفات الفاضلة ، وينفع به الناس في تهذيب أنفسهم ، وتحسين معيشتهم ، وهؤلاء الكافرون من المنافقين والمشركين وأمثالهم لا يزدادون بجهلهم وسوء اختيارهم الا إثما يضرهم في أنفسهم ، بالتمادي في مكابرة الحق ، والاسترسال في الفسق ، وتأييد سلطان الشر في الخلق ، فاللام في قوله « لِيَزْدادُوا إِثْماً » هي التي يسمونها لام العاقبة والصيرورة أي لتكون عاقبتهم بحسب السنة العامة في الخلق ازدياد الاثم فإنهم بمقتضى كفرهم وباطلهم يقاومون أهل الحق من المؤمنين ، وكلما عمل الانسان على شاكلته قويت بالعمل ، والاثم داعية الاثم ، كما أن الخير يمد بعضه بعضا ، فما من خليقة ولا